كشف فوز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيجان حقيقة مهمة بشأن طبيعة الانقسام داخل الولايات المتحدة حول السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؛ إذ لا يدور الخلاف بالأساس بين اليمين واليسار، بل بين النخبة والقاعدة الشعبية. ويرى بيتر بينارت، الكاتب والمعلق السياسي، أن الدعم الشعبي لاستمرار المساعدات العسكرية الأمريكية ومبيعات الأسلحة لإسرائيل لم يعد يحظى بتأييد واسع، حتى بين الجمهوريين العاديين، في مقابل تدفق أموال ضخمة من أثرياء يدعمون إسرائيل.
وأشار بينارت، في مقال رأي نشرته صحيفة «الجارديان» إلى أن فوز السيد كشف اتساع الفجوة بين مواقف الناخبين وتوجهات أصحاب النفوذ المالي والسياسي، موضحاً أن منافسيه، هايلي ستيفنز ومايك روجرز، شكّلا واجهة لتدفق أموال مؤيدة لإسرائيل ولمصالح شركات كبرى، وهو ما جعل حملتيهما تفتقران إلى الزخم الشعبي. وسخر السيد من ضعف الحضور الجماهيري في تجمعات روجرز، معتبراً أن ذلك يعكس غياب الحماس الشعبي لحملته.
الدعم الأمريكي لإسرائيل.. فجوة بين النخبة والقاعدة الشعبية
في ميشيجان، بدا التأييد لإسرائيل أشبه بصورة سياسية وهمية؛ إذ منحته وسائل الإعلام حجماً وتأثيراً أكبر مما يعكسه الواقع الانتخابي. فقد اعتبر كثير من المعلقين أن انتقادات السيد لإسرائيل تمثل عبئاً على فرصه الانتخابية، بينما أظهرت استطلاعات الرأي أنه حصد تأييد الناخبين المهتمين بهذه القضية بهامش أكبر من هامش فوزه الإجمالي.
ويطرح ذلك تساؤلاً بشأن أسباب الخطأ الذي وقعت فيه تغطيات إعلامية عديدة. ويرى بينارت أن الانقسام داخل المؤسسات الإعلامية يعكس بدوره صراعاً بين النخبة والشارع؛ فبينما يدعم كثير من الصحفيين الحقوق الفلسطينية، أو يقرون على الأقل بأن غالبية الأمريكيين لم تعد تؤيد إسرائيل، تخضع شبكات مثل «سي بي إس» و«سي إن إن» لملكية مليارديرات مؤيدين لإسرائيل، ويتبنون وجهات نظر مماثلة لتلك التي يتبناها ممولو حملتي ستيفنز وروجرز.
وبحسب الكاتب، تسهم هذه المؤسسات في تضخيم أصوات تصوّر المواقف المؤيدة للفلسطينيين باعتبارها متطرفة، بل ومعادية للكراهية في بعض الأحيان.
وخلال العامين الماضيين، ظهر الانقسام نفسه داخل الجامعات الأمريكية. فقد نظم الطلاب اعتصامات احتجاجية على تدمير قطاع غزة، بينما استعان رؤساء الجامعات بالشرطة لفضها. وصوّت الطلاب بأغلبية ساحقة لصالح سحب استثمارات الجامعات من الشركات المتورطة في دعم ممارسات إسرائيل القمعية، لكن مجالس الأمناء رفضت مطالبهم بصورة قاطعة.
ويمتد هذا الانقسام إلى داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه؛ إذ يتركز التأييد لإسرائيل بين كبار السن والأكثر ثراءً والأشد ارتباطاً بالمؤسسات، ومن بينهم أعضاء مجالس إدارة المعابد اليهودية وممولو الاتحادات المحلية والمراكز المجتمعية اليهودية. أما بين الفئات الأصغر سناً والأقل امتلاكاً للموارد، فقد أخذت مواقف مناهضة الصهيونية تكتسب زخماً متزايداً.
الديمقراطيون والجمهوريون.. تبدل مواقع الصراع السياسي حول إسرائيل
في انتخابات عام 2024، وقف الديمقراطيون في الجانب الخاطئ من هذا الانقسام بين النخبة والجمهور. وكان أحد كبار المستشارين السياسيين للرئيس السابق جو بايدن قد ساهم في تأسيس شركة استشارات عملت لصالح لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» بعد 7 أكتوبر 2023.
كما خاضت كامالا هاريس حملتها الانتخابية إلى جانب ليز تشيني، انطلاقاً من اعتقادها بأن التحالف مع جمهورية من المؤسسة السياسية المؤيدة للحرب سيساعدها على جذب الناخبين المترددين.
لكن هذه المناورة أخفقت؛ فبينما حظيت مواقف تشيني بشعبية لدى كبار الممولين، لم تلقَ قبولاً لدى الناخبين العاديين في الحزبين. ورغم أن هاريس جمعت تبرعات انتخابية تجاوزت بكثير ما جمعه دونالد ترامب، فإن رفضها الابتعاد عن موقف بايدن الداعم لإسرائيل أضعف حماس قاعدتها الانتخابية. وفي المقابل، استخدم ترامب خطابه القائم على شعار «أمريكا أولاً» ومعارضة التدخلات العسكرية لاستقطاب ناخبين لم يسبق لهم دعمه.
أما الآن، فقد انعكس المشهد؛ إذ يتمتع الجمهوريون بميزة مالية، لكنهم يواجهون عبء حرب لا تحظى بشعبية واسعة. وفي المقابل، يخوض الديمقراطيون معاركهم الانتخابية ضد «أيباك» وغيرها من جماعات المصالح الكبرى التي تمتلك نفوذاً مالياً واسعاً، ويرى الكاتب أنها تسهم في إفساد الديمقراطية الأمريكية. ومع ذلك، لا يزال الانقسام بين النخبة والجمهور بشأن إسرائيل قائماً داخل الحزبين.
انتخابات 2028.. صعود الشعبوية ومواجهة نفوذ «أيباك»
يرجح بينارت أن تشهد انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028 ظهور تيارات شعبوية داخل الحزبين، ترفع شعار مواجهة «أيباك»، في مواجهة مرشحين تقليديين يحظون بدعمها.
وبإعلانه أن الحرب على إيران والدعم الأمريكي لإسرائيل ساهما في إلحاق الهزيمة بالجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، بدأ نائب الرئيس جيه دي فانس بالفعل في تمهيد موقعه داخل النقاش الجمهوري بشأن انتخابات 2028.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن الديمقراطيين باتوا يمتلكون فرصة سياسية جديدة؛ إذ نجح السيد وعدد من الديمقراطيين الفائزين في الانتخابات في بلورة نسخة تقدمية من الخطاب المناهض للتدخلات الخارجية، وهو الخطاب الذي ساعد ترامب على تحقيق مكاسب انتخابية في عام 2024.
بل إن السيد أطلق إعلاناً انتخابياً قدم فيه نفسه باعتباره مرشح «أمريكا أولاً»، وأظهر بذلك كيف يمكن للديمقراطيين توظيف السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ضمن خطاب شعبوي قادر على جذب ناخبين من مختلف التوجهات الحزبية في انتخابات 2028.
لكن بينارت يحذر من أن حجم التأييد الذي لا تزال إسرائيل تحظى به بين النخب التي تمول المرشحين الديمقراطيين وتؤثر في صياغة الرواية الإعلامية، يجعل من المرجح أن تكون المعركة الانتخابية الشرسة التي شهدتها ميشيجان مجرد مقدمة لما قد تشهده الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/nov/05/abdul-el-sayeds-victory-has-laid-bare-a-truth-about-americas-view-on-israel

